البعد السياسي والاقتصادي لمدينة القدس
مسألة السلام في الشرق الأوسط لا تخلو من التعرض لقضية القدس. فلم تحظ مدينة بمثل هذا الاهتمام الذي حظيت به القدس منذ قديم الأزل. فـ الفترة تجاوزت الثلاثة آلاف عام احتلت القدس مكان الصدارة بين دول المنطقة، لما لها من مكانة تاريخية، ودينية، فهي تحمل تاريخ اليهودية، والمسيحية، والإسلام، في آن معاً. ومن ثم فإنه عند احتلالها من قبل إسرائيل، في عام 1948، لم تتأثر فلسطين فحسب، وإنما ارتبك الإقليم كله، بالتبعية، وازداد الأمر سوءاً، عندما بدأت السلطات الإسرائيلية في تقسيم "القدس"، إلى كتلة غربية وأخرى شرقية، أو عربية، وفي أواسط عام 1967، قامت سلطات الاحتلال بضم القدس الشرقية إلى نطاقها، بل امتدت خطة التوسيع لتشمل بعض المناطق في الضفة الغربية، الأمر الذي استنكره المجتمع الدولي، تتصدره الأمم المتحدة، الأمر الذي تجاهلته السلطة الإسرائيلية واستمرت في ممارسة سلطتها على المدينة بالكامل، والإعلان الرسمي عن نقل العاصمة إليها، حتى تخرجها من أية مناقشات، قد تحدث خلال الحوار السياسي القائم حول إتمام عملية السلام.
وبالرغم من محاولات الإسرائيليين المستمرة في تهويد المدينة بالكامل، وفصلها عن بقية الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أنها ترتبط بشكل وثيق مع تلك المناطق في النواحي الاقتصادية، فكما جاء في تقرير للبنك الدولي(1) يمكن رصد أوجه الارتباط بينهما في الآتي:
1- تمر معظم وسائل النقل بين شمال وجنوب الضفة الغربية بالقدس.
2- تعتمد السياحة في الضفة على المزارات السياحية في القدس الشريف.
3- تقع أغلب مراكز الصحة والمستشفيات التي تخدم الضفة في القدس الشرقية.
4- تشتمل القدس العربية على معظم المكاتب التمويلية والتسهيلات التسويقية والبنية الثقافية والاجتماعية التي يحتاج إليها الفلسطينيون.
5- يقع مطار قلنديا الذي يربط الضفة الغربية بمطارات الإقليم في القدس.
6- تضم شبكة الطاقة بعض مناطق القدس الشرقية، والتي تخدم، تحديداً، المناطق من رام الله إلى بيت لحم.
وفي ضوء هذه المقدمة، تظهر، بوضوح، مشكلتان أساسيتان، تواجه البحث في اقتصاد القدس، وهما صعوبة فصل اقتصاد القدس عن الاقتصاد الإسرائيلي من ناحية، على أساس أن إسرائيل تعتبر أن القدس مدينة إسرائيلية، تندمج ضمن السياسات الاقتصادية العامة لإسرائيل، ومن ثم تكاد بيانات القدس الاقتصادية تكون مختفية وسط الإحصاءات الإسرائيلية، كدولة متكاملة. ومن ناحية أخرى. تتجنب كثير من الأبحاث مناقشة مسألة القدس، لموقفها السياسي الحرج، وحتى لا يؤخذ عليها الميل إلى جانب معين، أما المشكلة الأخرى، فهي الارتباط الواضح بين القدس والضفة الغربية، وقطاع غزة. فكلها أراضٍ محتلة منذ عام 1967، تعرضت، تقريباً لنفس الظروف السياسية، والاقتصادية، ومن ثم قد يظهر بعض التداخل عند التعرض للخلفية التاريخية لها، يصعب تلافيه.
ومن ثم سوف يركز هذا البحث على جزئين رئيسيين، هما تاريخ القدس الاقتصادي والسياسي، والظروف التي مرت بها، كنتيجة لوقوعها تحت الاستعمار، والجزء الآخر يشمل التوقعات المستقبلية للقدس، خلال السنوات القادمة، وتجدر الإشارة ههنا إلى أن البحث، في الجزء الأخير، اعتمد على قراءاته المختلفة لوثائق البنك الدولي، والأمم المتحدة، وبعض الدوريات العلمية، التي استنبط منها محاور المستقبل، بالنسبة لمدينة القدس، كجزء من الدولة الفلسطينية.
خلفية تاريخية:
تعتبر القدس من أكثر مدن العالم شهرة، لما لها من أهمية كبرى، ليس فحسب على المستوى العربي أو الاقليمي ولكن على المستوى الدولي أيضاً.
فقد حظيت القدس بمنزلة خاصة لدى شعوب المنطقة، بسبب مكانتها الدينية، وإن كانت تلك الناحية أدت، في الوقت ذاته، إلى تفجر عدد من الأزمات، بسبب الصراعات التي نشأت بين الديانات الثلاث: اليهودية، المسيحية، والإسلامية، على أحقية كل منها في سيادة القدس الشريف.
ولعل من أهم الملامح التي تتميز بها مدينة القدس، نقص موارد المياه، ومن ثم تشكلت بنود الحياة فيها بما يتوافق مع هذه الخاصية، فاعتمدت كثيراً على المتاجرة مع دول الجوار، للحصول على الحبوب الزراعية اللازمة للمعيشة اليومية، مثل القمح، وبشكل عام يمكن القول أن اقتصاد القدس قد مر بعدة مراحل، مرتبطة بشكل وثيق، بوجود المستعمر على أراضيها، أي أن السياسة العامة قد أسهمت، بشكل مباشر، في صياغة المنظومة الاقتصادية للقدس، وعليه، فيمكن تقسيم تلك المراحل إلى:
1- مرحلة ما قبل عام 1948:
ويمكن اعتبارها مرحلة تاريخية قائمة بذاتها، شهدت فيها القدس عدة أنشطة اقتصادية، لم تلعب الزراعة فيها دوراً هاماً، بسبب ندرة الموارد المائية، وقلة الأمطار، ومع ذلك اشتهرت القدس بزراعة الأشجار المثمرة، مثل الزيتون، والعنب، فقد سجل إحصاء عام 1935، أن مساحة الأراضي المزروعة زيتوناً 31,388 دونماً، وأن عدد الأشجار التي غرست فيها وصل إلى 408,044، ومحصول الزيت بلغ 661 طناً، أما مساحة الأراضي المخصصة للعنب فقدرته بـ6,579 دونماً أنتجت 3,990 طناً من العنب، ومساحة الأرض التي زرعت تيناً، بلغت 3,653 دونماً، فيها من الأشجار 54,795 شجرة، أنتجت 625 طناً، أما الركيزة الهامة لاقتصاد تلك المرحلة فكانت التجارة، حيث شهدت القدس حركة تجارية واسعة، وخصصت أسواقاً تجارية مقسمة، بحسب نوع السلعة، فكان هناك سوقاً للقمح، وأخرى للفواكه، وثالثة للقماش، وكذلك ظهرت الأسواق الأسبوعية، مثل سوق الجمعة، سوق الأربعاء، وهناك الأسواق الموسمية، المرتبطة بمواسم معينة، مثل موسم الحج، موسم الصيف، موسم الشتاء.
أما التجارة الخارجية للقدس، فيرصد التاريخ أنواعاً من التجارة مع دول أوروبية، مثل إيطاليا، فكانت تصدر الخمر، الصابون، الزيت، وتستورد المنسوجات القطنية، والحريرية، والزجاج.
وتأتي الصناعة ركيزة ثالثة للاقتصاد، فاعتمدت الصناعة على المنتجات الزراعية مثل عصر الزيت وصناعة الصابون بجانب صناعة الأيقونات والتحف الدينية من خشب الزيتون، والمسابح والصلبان والمصنوعات الجلدية، والمطرزات اليدوية، والشموع، والزجاج، والأواني الفضية.
بعد ذلك تأتي السياحة، لتشكل مورداً اقتصادياً آخر. فالزيارات الدينية، الإسلامية منها والمسيحية، أدخلت موارد كثيرة للمدينة، عن طريق الخدمات التي تقدمها للحجاج والزائرين، مثل التنقلات، الإقامة، رسوم الدخول، ووسائل المواصلات التي كانت، في الأغلب، دواباً يستأجرها الزوار من ميناء يافا، للوصول إلى المدينة، يتلو ذلك المورد، الأوقاف الإسلامية والمسيحية، ثم الرواتب الحكومية، والأجنبية التي تعمل في القدس(2).
2- مرحلة الحكم العربي- الأردني:
انتعش اقتصاد القدس، في تلك الفترة، بشكل ملحوظ، فنشأت صناعات جديدة، صغيرة، ومتوسطة، مثل صناعات الأثاث، والملابس، والصناعات المعدنية الصغيرة، وتطورت الزراعة فكثرت زراعة الأشجار المثمرة، مثل الزيتون، بجانب انتعاش السياحة، وزيادة دخلها، وارتفع حجم التحويلات التي يرسلها العاملون في الخارج، وبخاصة في مدن الخليج العربي، والأمريكتين (3).