أنهم آكلو الحشرات :
أيدهشك أن تعلم أن فى أيامنا هذه يستهلك بانتظام ما يربو علي خمسمائة نوع من الحشرات كغذاء، في شتى بقاع الأرض. ففي القارة الأفريقية يعيش الملايين من السكان في الكاميرون وأوغندا وزائير والجزائر وزيمبابوى وأفريقيا الجنوبية وغيرها علي أكل الحشرات. وتذكر بعض الإحصائيات أن الحشرات تمثل نحو 65% من البروتين الحيواني الذي يتناوله السكان في العديد من مناطق الجنوب الأفريقي. وكذلك فإن سكان القارة الأسترالية الأصليين، ما زالوا يعتمدون علي بعض الحشرات، كمصدر مهم للبروتين. وثمة شعوب كثيرة في آسيا لاسيما في الهند واليابان والصين وإندونيسيا وجنوب شرق آسيا وغيرها فهى تعتبر الحشرات طعام صحي. أما عن شعوب أمريكا اللاتينية فحدث ولا حرج، فالحشرات طعام شائع فى كولومبيا وفنزويلا والبرازيل والمكسيك. ويقدر الباحثون أن المكسيك – علي وجه الخصوص – تعد من أكبر البلدان التي تستهلك الحشرات كطعام للإنسان .. فمن بين الخمسمائة نوع من الحشرات التي تؤكل في عالمنا يستهلك في المكسيك ثلاثمائة نوع منها علي أقل تقدير .
وهكذا لم يكن غريباً أن نجد باحثي التغذية يعنون أشد العناية بأنواع الحشرات الغذائية المتوافرة في البلدان النامية، بحسبانها أحد الموارد الطبيعية المهمة لسد فجوة الغذاء، بل إن من الباحثين من يرى أن دور الحشرات في الغذاء أكبر من هذا بكثير. فالباحثة الأمريكية " جين دى فوليارت " بجامعة ويسكونسن، تعتقد أن الحشرات في طريقها إلي احتلال مكانها كطعام مقبول، ليس فقط في البلدان النامية، ولكن أيضاً في العالم الغربي . ففي الولايات المتحدة يرصد الباحثون تزايداً كبيراً في عدد المشروعات الاستثمارية الكبرى التى تستهدف إدخال الحشرات في قائمة الغذاء الذى يتناوله الشعب الأمريكي. كذلك تحقق تقدم آخر في هذا المجال علي أيدى رجال أعمال كنديين. فثمة مزارع كبيرة لتربية الحشرات أقيمت في كافة الأنحاء في السنوات الأخيرة، لإمداد مصانع الأغذية بمئات الأطنان من الحشرات، التي توافق صناعة الهامبورجر ومعلبات الحشرات المحفوظة وأنواع السجق وسوى ذلك من منتجات
لا تتعجب .. نحن نأكل الحشرات :
ربما لا يكفي أن نتحدث عن فضائل مغذيات الحشرات حتي يقبل الناس علي أكلها لقد عارض بعضهم هذه الدعوة قائلاً: " نعم إن الحشرات قد تكون غنية حقاً بشتى أنواع المغذيات من بروتينات ودهنيات ومعادن وفيتامينات، ولكني لا أستطيع أن أتخيلها في فمي". والحق، أن الحشرات التي يدعو العلماء إلي أكلها، إنما هي الحشرات النظيفة، آكلة الحشائش والأعشاب والنباتات الخضراء الطرية الطازجة، وليست أبداً الحشرات التي تعيش علي دم الإنسان والحيوان، أو علي الروث والنفايات. وكما يعرف أهل الاختصاص، فإن الحشرات التي تغتذى بالنباتات تعد أنظف بكثير من معظم الحيوانات التي يشتهيها الإنسان العصري المتحضر مثل الضفادع التي تعد من أشهي الوجبات عند بعض الأوروبيين، أو حتي بعض الحيوانات البحرية مثل أبو جلمبو والسيبيا أو السرطانات البحرية أو المحاريات التى تتغذى علي لحوم الحيوانات. أما المفاجأة الأكبر، فهي أننا جميعاً – بدون أن نشعر– نأكل الحشرات طوال الوقت، دون أن يصيبنا ضرر أو مكرره .
وهذا صحيح، فإن كلاً منا قد أكل يوماً الحشرات أو حتي أكل صغارها من تلك الموجودة في الحبوب المخزونة، مثل اللوبيا والأرز والعدس والفول، وكذلك حشرات الخنافس أو السوس. وإننا لنعلم أن بعض الحشرات الصغيرة تختلط بالمحاصيل وبالخضر ويستحيل فصلها. ولأنها لا تسبب أى ضرر للإنسان ، فإن مفتشي الزراعة وخبراء التغذية يسمحون بوجودها ولا يتأففون .
ويؤكد " مايكل بورجيث " الباحث بجامعة ولاية " أوريجون " الأمريكية، أن المواطن الأمريكى يتناول بالفعل ما بين نصف كيلو جرام، وكيلو جرام من الحشرات كل عام.. وأن معظم الأمريكيين لا يعلمون بهذه الحقيقة، لأنهم لا يشاهدون هذه الحشرات حيث تعد في شكل مسحوق يضاف إلي مربي الفراولة وصلصة الاسباجيتى وزبدة الفول السودانى ونحوها، وهكذا ففى الكثير من المنتجات الغذائية المصنعة توجد كمية مسموح بها من أجزاء الحشرات. ويرى الباحث الأمريكي أنه إذا لم يقتنع بعض الناس بتناول الحشرات المطبوخة، وهى الشهية والمغذية، فإن بوسعهم علي الأقل تقبل وجود المزيد من الحشرات فيما يأكلون من وجبات يومية.
وعلي هذا النحو، يمكن تأهيل الناس نفسياً لقبول الحشرات في طعامهم، لاسيما إذا استخدمت – كمرحلة أولي – في صورة إضافات غذائية لأطعمة مألوفة، وليس في صورة حشرات كاملة. فمن الميسور إضافة مسحوق الحشرات المجففة إلى أنواع العجائن الغذائية والمخبوزات، بغية الارتقاء بقيمتها الغذائية. وكذلك يمكن إضافة الحشرات إلى اللحم المفروم والكفتة والسجق والكباب والبورجر واللانشون والصلصات والأطعمة المطهية بالفرن ونحوها.وهذه الإضافات الناجحة ليست - بالطبع - سوى البداية في سبيل إقناع الناس بمدى الإمكانات المبهرة للبروتين الحشري في تغذية الإنسان.