-  | |  |
| ذهب ليأتي بالعشاء من الخارج فذهبت أبحث في سورة النور عن الآية الفاصلة لهذا العمل المشين ... والبهجة تملأني وكأني قد أمسكت بعقال الإبل .. نعم هنا سيقف وهنا سيرضخ !! فإذا حكم الله بأمرٍ فلا خيرة له ولا لي فيه ! نعم جاء الفرج وانكشفت الغمة
انتظرته بفارغ الصبر وكأن أجنحة الطيور جميعا ملكا لي أطير بها أينما أشاء في هذا الكون الفسيح وكأنما قلوب الكون تعاضدني لأصل إلى الخلاص الأكيد !!
جاء لم أنتظر والابتسامة تنم عن فرح شديد وعن روح منتصرة ’ ثم فتحت المصحف على الآية :
( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن )
وقبل انتهائي من الآية نظرت إلى وجهه وقد توقعت التوة والندم بالطبع !!
ولكن يا للحسرة لقد استشاط غضباً وقام بخطف المصحف الشريف من يدي بقوة وألقى به على السرير ونظر في عيني بتهديدٍ قاتلٍ ووعيدٍ مخيفٍ ثم قال :
- أنت تستمعين إلى كلامي أنا وليس إلى كلام هذا ... مفهوم !!
هذه الصعقة زلزلت كياني فخارت قواي لا فائدة !! من هذا الرجل الذي طلبت منه بهدوء , بكل أدب , مع أن قلبي كاد أن يخلع من هول الصدمة ! فسألته :
- ماذا تقصد وكيف تجرؤ على وضع المصحف بهذا الشكل ؟؟
فهاج قائلا :
- وكيف تجرؤين على مناقشة هذا الموضوع المنتهي بهذا الشكل ؟ وهذه آخر مرة نتحدث فيها عن ذلك !!
فكرت مليا .. لابد من مخرج لهذا المأزق والصبر هو العلاج الأفضل
تمادى الجميع ( من الرجال ) في التحدث والضحك معي , وافتعال المواقف التي تجبرني على الكلام معهم ..بكيت كثيرا على إجبار زوجي لي بالمخالطة ...
رضخت بمشاعر مكرهة ! لعل الله أن يهديه فلا يعاود ذلك !
كنت ألبس حجابا ساترا جدا وأغطي أكبر جزء ممكن من ملامحي ومن جسدي ونظراتي كسيرة منخفضة لا تجرؤ على النظر إلى هذا الكم الهائل من الوحوش الذين لبسوا ملابس الرجال !
وإذا به يناديني من بينهم فأرفع رأسي إليه والخجل يلفني والحياء يذيبني فيأمرني بأن أرفع حجابي عن أكبر جزء ممكن ونظراته غاضبة تكاد تفتك بي وتعتصرني , فلا أستطيع ! فيرغمني مرة أخرى بإرسال تلك النظرات التي تتوعدني وتتهددني , فأرفض قسراً مع شدة خوفي منه ومنهم !
أين أنا ؟؟ مع من أعيش ؟ ليس هذا ما ربيت عليه ! أي عالم يحيط بي ؟؟!!
أعاود النظر إليه فيشير إلي أن تكلمي مع المتكلمين واضحكي واخلعي جلباب الحياء الثقيل , وكوني أكثر جرأة منهن !!! ولكن ديني يردعني وضميري يمنعني ...
نعود لمنزلنا . أكفل له أنواع السعادة والهناء على الرغم من كل شيء !! كل ذلك حتى يتفهم طبيعتي وما أريده وما أرغب عنه .. ولكن لا جدوى ! يا للأسف ما العمل ؟؟
سترت عليه .. مدحته أمام أهلي , وأمام الجميع بأنه أرجل الرجال ! يجب أن أضع الأساس الصحيح لبناء المنزل الذي ليس له قواعد حتى الآن ! يجب أن أحاول المزيد ولكن بعيدا عن العيون ...
( استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان )
في الأسبوع الرابع ضقت ذرعا بعدم صلاته في المسجد... قلت له بضيق :-
- لماذا لا تصلي في المسجد مع الجماعة ؟؟!!
- صلاتي في المسجد تخصني ! وصلاتي في المنزل أفضل .. لا أريد الاحتكاك بمن في المسجد !!
سألته باستغراب واضح :
- ماذا تعني ..؟؟
- لا أعني شيئا .. هيا سنخرج الآن ...!
تكرر هذا الموقف كثيراً ولكنني لم أرد فَقْد الصبر المتبقي لدي ...
يتبع ... حضور العزاء المريب
فاجأني في أحد الأيام بدخوله إلى المنزل وقت صلاة المغرب .. وقد امتلأت عيناه بالدمع .. وارتفع صوت نحيبه وبكائه ومعه عدد من أقاربه الرجال !
ما الخطب ؟! كاد أن يغمى علي من شدة الهلع والخوف ! رجل يبكي ؟! وأمامي
وأقاربه كذلك !!
هل أصاب أهله أو أهلي مكروه ؟ يا إلهي قدماي لم تعودا قادرتين على حملي !! أهو أبي ؟ أهي جدتي العجوز ؟ أهي أمه ؟ أرجوك سيسقط قلبي من فرط الخوف !!
لم يتحدث !! مشيت بخطى قد أثقلتها المخاوف وكبلتها الشكوك ... ودخل إلى المطبخ وقال باكيا :
- بسرعة البسي ملابس العزاء ولتكن سوداء اللون فقط !
اكتملت المخاوف .. رجوته أن يخبرني من الذي مات ؟ .. لم ينطق ! لبست الملابس الحالكة السواد كما أمرني كالآلة التي يتحكم بها صاحبها كيفماء شاء ! خرجت معه ! وعلى الرغم من ذلك لم أنجُ من نظرات أقاربه !!! قلت لوالدته وأخته بلهفة وأنا ألهث ...
- حدثوني أرجوكم من الذي مات ؟ .. ماذا يجري ؟ ما بكم ؟
أطبق الحزن والصمت على أفواه الجميع .. وآهات الألم تتدفق من الصدور الثكلى ! لزمت الصبر والسكوت حتى كادت نبضات قلبي أن تتجمد !! توقفنا عند قصر كبير مترف فعادت نبضات قلبي تنتظم شيئا فشيئا ! إذاً فهو شخص آخر !
دخلت ببطء رأيت جموعاً من النساء قد اجتمعن .. يبكين ويضربن على صدورهن!!أين أنا ؟؟ ماذا أرى ؟؟ ما هذا المجتمع الغريب ؟؟ الكل يبكي وينتحب ؟!
فقدت الصبر فسألت إحدى أخوات الزوج بتأثر شديد من هذه المناظر المحزنة المخيفة :
- من هو الشخص الذي مات ؟ أشعر بالحزن عليه ..
فقالت وهي تتحاشى النظر إلي بصوت مرتجف ومرتبك ..
- إنه أحد أولياء الله الصالحين المقربين إليه .. وهو أحد المشائخ المصلحين للأقدار في هذا الكون .. وصمتت .. فقلت في نفسي :
- ماذا تقصد بكلامها ؟! ولزمت الصمت أنا كذلك , فتاهت نظراتي بين أفراد هذا العالم الجديد على حياتي !!
جلست مع الجالسات هذه أول مرة في حياتي أحضر فيها عزاء .. انتقلت نظراتي نحو الحائط الكبير لترى صورة كبيرة وضخمة لرجل طاعنٍ في السن محاطة بإطار جميل وغالي الثمن .. ثم ...!!
ما هذا ؟؟ الصورة قد ربطت شريطة سوداء في جنبها الأيسر !!!
فجأة شد انتباهي نياح النساء وضرب بعضهن بأيديهن على رؤوسهن ووجوههن !! ( خاطبت نفسي ) ...
- يا ترى من هذا الشخص الذي أثرت وفاته على كل هذه الوفود من النساء والرجال ؟! وهل كل عزاء يقام يحدث فيه كل ما يحدث الآن ؟؟
كعادتي فضلت السكوت ومجاراة الواقع واستكشاف الأمور الغامضة بهدوء ...
- من هي تلك المرأة التي تصدرت الجموع وجلست وحدها تقابل كل هؤلاء
النسوة وقد غرقت ومن معها في بحر من الدموع المنسكبة ؟ ما لها تهيج وتضطرب ؟ ما بها تتمايل وتصيح هي ومن معها ؟؟ مالها لا تضبط نفسها ؟كأني أسمعها تستغيث بفلان وفلان !!! فمن هذا الذي تستغيث به ؟؟ وماذا تقصد الجميع أصبح مواجهاً لها !! لابد أنها ستقول شيئاً ما !! لأنتظر وأرى !!
وكما توقعت فقد أخذت جهاز الميكرفون , وحينما بدأت بالكلام سالت دمعات ساخنات على وجهها أثارت أحزان وأشجان الجالسات فبكين مرةً أخرى بحرقة ولوعة !!
لماذا أشعر بالخوف ؟ لماذا لا أتمالك نفسي بهذا القدر ؟ لماذا أشعر بأن هناك شيئا ما غير سويّ ؟! لماذا أشعر بأن أمراً عظيماً سيقع ؟ لمَ قيدتني الجالسات بنظراتهن ؟ لمَ أنا بالذات ؟ ما هذه الرجفة التي تسري في أجزائي ؟! هناك شيء ما ؟؟!!
نطقت أخيراً تلك المرأة المتزعمة للنساء بأول كلنة وهي تصرخ :
- اللهم ارحم سادتنا الصوفيين .!!!!!!
ماذا سمعت ؟ بالتأكيد هناك خطأ إما لدى السامع أو لدى المتكلم .. وفي السامع أكثر !!
كررتها ثانية والدمع يجري كما تجري الأنهار ..
- اللهم ارحم سادتنا الصوفيين !!!!!
زاغت نظراتي .. تاهت أفكاري .. تبعثرت أوراقي !! حسناً بالتأكيد هناك خطأ في السامع أو في المتكلم وفي المتكلم أكثر !!
حسناً حسناً .. أريد أن أعرف الخطأ عن طريق ردود فعل هؤلاء النسوة التي تعالت صيحاتهن !!
إن الجميع يؤمّن !! آمين , وحرقة البكاء ولوعة الحزن وأنين الفراق قد أخذ منهن كل مأخذ !!
انتقلت نظراتي بين النسوة تبحث عن والدة الزوج بلهفة .. أريد حمايتها ! أريد أن أدفن وجهي في صدرها !!
أريدها أن تهدّئ من روعي وتبعث الطمأنينة في حناياي !!
ماذا يحدث ؟ خطأ جسيم في الموضوع ولا شك !
كررت المرأة الجملة الدعائية مرة ثالثة وأخيرة وهي تضرب على صدرها وتتمايل كما تتمايل الأشجار من الريح العاتية , وتصرخ بصوتٍ مستغيث :
- اللهم ارحم سادتنا الصوفيين !!!
في هذه اللحظة وجدتها ! وجدت والدة زوجي بين النساء !! يا إلهي ماذا تفعل ؟؟ إنها تصرخ وتضرب على وجهها وصدرها !! إنها .. إنها ... تؤمّن !! بحرارة أكثر .. وصوت أعلى ... و .... وحرقة أشد !!!!
لا .. لا.. لا.. ماذا يحدث هنا ؟! .. وإذا بأخوات الزوج يحطن بوالدتهن ويفعلن كما تفعل !!
عدت لواقعي .. حاولت إقناع نفسي بأنهم لا يعلمون ماذا يقولون ويفعلون ؟؟ بالتأكيد لم ينتبهوا إلى ما قالته تلك المرأة !! أين زوجي ؟؟ عندما يعلم سيفاجأ ؟ سيصاب بصاعقة عقلية ؟ سيعرف أن نحيبه كان كثيراً جداً على هؤلاء القوم ...
يتبع ...
القشة التي قصمت ظهر البعير
انتظرت مجيئه بفارغ الصبر .. هناك شيء في كياني تزعزع .. هزة عنيفة جعلت من توازني يختل !! جاء أخيراً ليأخذنا من هذا المكان المشؤوم ! ركبنا جميعا في السيارة ! فتحت فاهي لأخرج ما تراكم فيه من صدمات اليوم .. ثم تراجعت .. أطبقت فمي وأنا أرتجف .. شعرتُ متأكدةً بأن نظراتهم سهام مسلطة عليّ !
بدأ الهمس ! فضلت السكوت كالمعتاد .
.
عدنا إلى منزلنا ... دخلت .. هناك تغيير داخلي يعبث بطمأنينتي توضأت واتجهت نحو القبلة .. ثم كبرت للصلاة .. توقفت لا شعورياً .. تذكرت ما حدث بسرعة !! لقد عاودتني الأحداث الغريبة التي رأيتها وسمعتها اليوم !!
تركت صلاتي وقد أصابني الهذيان .. ذهبت إليه .. إني أرتجف .. قلت له وذهول صوتي بالكاد عرف طريق الخروج :
- هل .. هل تعرف ما حدث اليوم ؟ سوف تفاجأ ! سوف .. سوف تُصعق .. بلا شك
نظر إلي بنظرة غريبة لم أعهدها من قبل .. نظرة رهيبة وهدوء أكثر من المعتاد .. ثم قال .. ماذا حدث ؟؟
وأشاح بنظره بعيداً عني !!
اصطكت أسناني ببعضها حتى خِلتُ أن العالم يسمعها .. انتابني الفزع الشديد !!
حكيت له القصة بحذافيرها والانفعال قد ترك بصماته جلية على وجهي المصعوق ... مابين هلعٍ وضحك
بكل برود وجمود قال :
-اذهبي لتكملي صلاتك ... اذهبي ..!!
حلفت له مرة أخرى بتتابع يتفجر من خلاله الرعب الذي أحاط بي أن هذا هو ما حصل بالفعل ..
وقد توقعت منه عدم التصديق .. فبالتأكيد أنه يعتقد بأني أمزح معه !! نعم بالتأكيد
قال مرة أخرى وقد انخفض صوته وشعرت فيه بالتأنيب وبدا عليه الارتباك :
حسنا حسناً ... اذهبي الآن وأكملي صلاتك !!
نعم هو سيفهم ويقدر ! إذا لم يقدر الزوج ويتفهم فمن إذاً ؟؟
انتظرت منه أن يهدئ الوضع .. أن يذم عمل هؤلاء الناس ويعدني بألا يذهب إليهم مرة أخرى ! وألا يذرف دمعة في حقهم ... انتظرت طال انتظاري !! لا فائدة !
ما به ممتقع الوجه ؟ هل صعق ؟ هل أصابه مثلما أصابني عندما سمعت ورأيت ؟ ما به ؟ لا ردة فعلٍ معاكسة حتى الآن ؟؟
حلفت للمرة الأخيرة بأن المرأة تتحدث عن الصوفيين .. وتدعو إلى تقديسهم وتبجيلهم !! وعن حياتهم وولائهم لله تعالى ... وعن أرواحهم التي تساعد الناس مع أنهم أموات !! وعن شفاعتهم وأن لهم أقطاباً وأعواناً وأغواثاً لا نراهم نحن ؟!! وأشياء عحيبة غريبة ! لا يصدقها العاقل .. هل تصدق ؟؟!!
فقاطعني بصوتٍ علا نسبيا وانتابه بعض الغضب :
وماذا تعتقدين في الصوفيين إذاً ؟؟
فسألته وقد تسمرت مكاني وأنا أرقبه
- ما هذا السؤال ؟ لم أفهم لم أعِ مرامك منه !! | |
 | |  |